للبيت رب يحميه

 

http://www.uriasposten.net/images/caps/DR-111205-Muhammeddebat3.jpg

لم أكن أعلم أن سياسية توزيع المنشورات لا تزال ممكنة الى يومنا هذا، الا بالأمس فقط ، ربما تكون هذه هي المرة الوحيدة في حياتي التي يُوزع عليّ فيها منشورا .. !

فقد كنت أظن ان المنشورات اصبحت من الوسائل البائدة بعد ان فتح الله علينا بالانترنت والفيس بوك وغيره الذي يمكنك من خلاله ان تحشد ملايين الناس حول فكرتك دون ان تغادر مكانك.

موقف الأمس كان مدهشا بقدر الغيظ الذي وجدته وانا أقرا (المنشور) الذي لم يكن سياسيا لحسن حظي !!

والدهشة تأتي من فحوى هذا المنشور والأسلوب الذي تمت كتابته به، أسلوب لا يختلف في قليل أو كثير عن الأسلوب الذي قرات به ورقة مشابهة منذ خمسة عشر عاما أو يزيد..

مجمل الحكاية انني فوجئت بفتاة توزع أوراقا على الناس، ودون رغبة مني وجدت الورقة بين يدي ، ولما كانت الفتاة عادية المظهر جدا فقد ظننت ان الورقة اعلانا عن محل تجاري جديد او مركز للدروس الخصوصية، لكن المفاجأة ان المنشور كان دينيا على الرغم من ان الفتاة لم يكن يوحي مظهرها بأنها من المتحمسات لمثل هذه الأمور فلم تكن منتقبة ولا مختمرة، نظرت في الورقة على عجل فوجدت مطلعها الاية القرآنية الكريمة (آنا كفيناك المستهزئين) فطويتها لكي ادرك صلاة العشاء وقد فهمت انها تتحدث عن الرسوم المسيئة للرسول الكريم وان كانت جاءت متأخرة للغاية كعادتنا..

المهم ، بعد الفروغ من الصلاة فتحت الورقة لأقرأها بتمعن وانا اهنئ الفتاة "العادية" التي وجدت الدافع القوي لكي تنزل بنفسها لتوزع "منشورات" على المارة في الشوارع وحمدت الله سبحانه وتعالى على ان الغيرة على الدين لاتزال موجودة بين العباد، لكن المفاجأة كانت من نصيبي حينما استكملت قراءة الورقة التي يزعم صاحبها او صاحبتها ان الرسام الدنماركي الذي رسم الرسوم المسيئة للرسول قد مات محترقا وان الدنمارك تحاول التعتيم على اذاعة هذا الخبر السعيد وانه آن للأمة ان تبتهج لان الله قد قضى على هذا المعتوه.. الخ

لم اندهش كثيرا لأنني سمعت هذا الخبر من قبل من على منبر المسجد حيث دعى الخطيب المسلمين للابتهاج لان الله قضى على عدوه... لكنني يوم سمعت الخبر للمرة الأولى لم اصدق حرفا منه لأسباب سأشرحها فيما بعد ودعاني هذا للبحث على الإنترنت خلف الموضوع وكان ان وجدت التالي:

اصل الخبر جاء من صحيفة سعودية قالت أن محرر صحيفة "جيلاندز بوستن" الدنماركية مات محترقاً عندما اندلعت النيران بشكل غامض في غرفة نومه.

لكن هذا الخبر دعى صحيفة "ذي نيشن" الباكستانية لتحري الموضوع فوجدت انه لا اصل له، علما بأن الرسوم المسيئة رسمها 12 شخص وليس شخصا واحدا!

لكن الخبر على اي حال كان يقصد شخصا بعينه يدعى "فليمنج روز"، والمثير للدهشة ان روز مازال حياً يرزق بل والاكثر من ذلك هو انه حصل في مارس 2007 على جائزة حرية التعبير في الدنمارك!

المدهش في المنشور ايضا انه لا ينتهي عند هذا الخبر الملفق لكنه يدعو من يصل الى يده بأن يوزع منه 25 نسخة بالتحديد والا سيخرب بيته، وان فتاة فلسطينية مؤمنة – هكذا يقول المنشور – رات أنه من سينشر هذة الورقة سيأتيه الفرج بعد أربعة أيام !!

أما إذا لم يوزعها فسوف يحزن حزنا شديدا على ماله وأهله لأنه لا يدافع عن الرسول!!!

اه والله!

استدعت الى ذاكرتي هذه الكلمات الركيكية على الفور منشورا اخر عرضه علي صديقي ايام كنا في المرحلة الاعدادية (في التسعينات من القرن الماضي) وكانت تتحدث عن فتاة مشلولة رأت السيدة عائشة حسبما اذكر في منامها فاستيقظت وقد شفاها الله وان رجلا طبع هذة الورقة ووزعها على 25 شخص فربح تجارة عظيمة وان آخر لم يوزعها فاكلت السلعوة ساعده ، او شئ من هذا القبيل .. وخلال سنوات، مرت علي اوراق كثيرة تحمل المعنى نفسه في قصص مختلفة، حتى حينما بدأت علاقتي بالإنترنت وصلتني رسالة مشابهة عبر البريد الاليكتروني الى الحد الذي جعلني اتسائل عن ارتباطها بي شخصيا واوشكت على ان اعلق على باب دارنا ورقة مكتوب عليها "والله مهوزعها برضه"!!!

هذة الرسائل واشباهها يستدعى الحالة التي نفكر بها فيما يتعلق بالرزق والعمل واشياء اخرى كثيرة .. فقد حصرنا دفاعنا عن الرسول الكريم في مجرد ورقة لا فائدة منها لتخدير ضمائرنا ولنقول اننا فعلنا ما علينا .. بل انها توحي ايضا بالاتكالية على ان الله عز وجل كفيل برد هذة الاساءة عن نبيه – وهو قادر على ذلك – لكننا ليس من المفروض ان نجلس هكذا بلا حراك.

قبل الاسلام وفي الوقت الذي هاجم فيه ابرهه الكعبة ليهدمها فزع الناس الى الجبال ، حتى جد النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءه الناس يطلبون منه - وهو كبير قريش – ان يذهب الى ابرهه ليأخذ منه اغنامهم وابلهم ففعل ودخل على ابرهه وطلب منه ان يدفع اليه ممتلكات الناس فاندهش ابرهه وقال: كنت اظنك جئت تطلب مني عدم هدم الكعبة، فقال جد النبي قولته المشهورة "للبيت رب يحميه".

ويبدو اننا لانزال نعمل بالمنطق نفسه برغم انه انتهى فعليا بمجيء الإسلام، الذي انهى عصر المعجزات الفائقة وجعل المسلمون معجزات تمشي على الأرض ، فالله سبحانه وتعالى لن يرسل الينا الطير الابابيل لتخلصنا من اسرائيل لكنه سينزل علينا النصر اذا عملنا بجد لنحصل عليه حتى ولو كان عدونا اكثر منا عدة وعتادا.

في احدى خطب الجمعة كان الشيخ يشرح صورة الضحى، وعند اية "ما ودّعك ربك وما قلى" اخذ يعدد المواقف التي انتصر فيها المسلمون في مواقف كانوا فيها الاضعف بالحسابات المادية، ثم انتقل للعصر الحديث فذكر فيما ذكر كيف ان المصريون كانوا مهددين بالاحتراق اذا ما عبروا قناة السويس بالنابلم الاسرائيلي ، لكنهم حينما اعتمدوا على الله وقالوا الله اكبر سكتت انابيب النابلم ولم تخرج قطرة واحدة!!

يا سلام !! هكذا ببساطة !!

بهذا التواكل، بدون الاخذ بالاسباب المادية؟

هذه لم تكن معجزة بأي حال، لقد تم التخطيط للأمر بعناية وهذا هو ما يدعو اليه الاسلام

احشد قوتك وخذ بالأسباب ثم ستنتصر حتى لو كان عدوك اقوى منك

عبر التاريخ الاسلامي كله لم يكن المسلمون يوما اكثر قوة ولا عتادا من اعدائهم ومع ذلك كانوا ينتصرون

وانابيب النابلم لم تتوقف عن العمل بمعجزة ولكنه التخطيط والتجهيز

عملية مخابراتية لاحضار خريطة توزيع الانابيب

واخرى للحصول على عينة من النابلم

ثم انتاج كميات منه لتجربته في ترعة البلاح المشابهة لقناة السويس نوعا ما

وكانت الفكرة الأولى هي ان يحمل الجنود اثناء العبور جريد النخيل لأطفاء النيران التي ستشتعل عند فتح انابيب النابلم ، وتم اجراء تجربة بالفعل لكن النتيجة كانت كارثة، وتوفى عدد كبير من الجنود محترقين قبل العبور الحقيقي ليكونوا اول شهداء معركة التحرير.. اليس هذا تخطيطا

اليس هذا هو ما دفع العسكريين للبحث عن سبيل اخر وقد كان بضرورة سد فتحات الانابيب تحت قناة السويس قبل ساعات من العبور حتى لا ينتبه العدو..

هكذا يأتي النصر، وإلا لن يأتي