لو كانت الوحدة رجلاً لقتلته

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

تلقيت مكالمة هاتفية من إحدى صديقاتي المقربات والتي تعرفت عليها منذ عده سنوات وجمعنا مكان عمل واحد ثم إنتقلت كل منا إلى مكان عمل آخر – جاءني صوتها مهموماً قائلاً: أريد أن نتقابل – سألتها عما بها؟ فأجابتني لا أريد الحديث في شيء – فقط أريد أن نتقابل ونضحك ولا نتحدث في أي شيء جاد – كما كنا نفعل في بعض الأوقات في الماضي.

أقلقني صوتها بشدة وطبعاً لم أملك إلا أن أجيبها بنعم – وطلبت مني أن أهاتف زميلتين أخريتين لنا كانوا معنا في عملنا القديم – عندما طلبت هذا الطلب عرفت انها لن تتحدث في أي شيء خاص – لأنها لا تتحدث أمام زميلتينا هاتين عن خصوصياتها.

إتصلت بالجميع وحددنا المكان الذي سنتقابل فيه – وهو إحدى الكافيتريات (الكافي شوب) التي تعودنا منذ سنوات أن نجلس فيها – ومهما بدلنا من الأماكن نعود إليها بحنين غريب – رغم إنها ليست الأفضل من بين الكافيتريات التي تنقلنا فيها – ورغم الزحام الشديد الذي أصبحت عليه – ولكننا نعود إليها وكل مرة نتذكر ونضحك – يوم كنا هنا وتحدثنا عن هذا الموضوع وقلنا كذا وكذا وضحكنا حتى دمعت العيون.

المهم – تقابلنا جميعاً في الموعد الذي حددناه – ورجت ضحكاتنا المكان من أول دقيقة شوقاً إلى جلستنا هذه وشوقاً إلى بعضنا البعض فقد مرت شهور لم نتجمع فيها نحن الأربعة هكذا – وبالطبع كان عند كل منا فيض من الأحاديث والمواقف والضحكات مما يحدث لنا في أعمالنا أو مع أهالينا أو في أي مكان نرتاده – وتتقارب رؤوسنا لتحكي واحدة منا على موقف أو موضوع لا يجوز أن يقال بصوت عالٍ – ليس معنى هذا إنه شيء قليل الأدب – ولكن ربما الموقف نفسه به من الخصوصية مالا يجوز معه الحديث عنه بصوت عالٍ – وطبعاً تفضحنا ضحكاتنا بعد تجمع الرؤوس هذا.

صديقتي هذه مخطوبة منذ بضعة أشهر – وزميلة أخرى مخطوبة أيضاً – وأنا وواحدة من البنات الزميلات غير مرتبطين – وبالطبع تطرق الحديث إلى موضوع جواز صديقتي وزميلتنا الأخرى ... حديث الساعة هو هذا الحديث !!!

تشتكي كل من الفتاتين من خطيبها وكيف أنه منغمس في عمله ولا يهتم بها – وكيف أنها مازالت تشعر بالوحدة حتى وهي معه – وأنه لا فارق بين حياتيهما قبل الخطوبة وبعدهما – (بالمناسبة هما لا ينكران عليهما أخلاقهما وتدينهما وسعيهما الحثيث من أجل إنهاء إجراءات الجهاز والزواج – وكلا من الفتاتين خطبت بعد قصة حب ملتهبة وصعوبات جمة) – ولكن ....

هذه هي المشكلة – كلمة لكن .... إحساس بداخل كل فتاة منا نحن الأربعة على الأقل – ولا أعلم هل هو بداخل باقي فتيات جيلنا أم لا؟ - ولكنه إحساس عام بالوحدة.

فمن تمت خطبتهما – يشعران بالوحدة الشديدة لبعد خطابهما عنهما بعداً نفسياً ما أعنيه – وزميلتنا الأخرى تنخرط كل بضعة أسابيع في علاقة فاشلة تحاول بها الوصول لزوج مناسب – ولكني أرى في الحقيقة أنها تعاني من الوحدة وتحاول أن تملأها بشتى الطرق – أما أنا ... فأخشى الوحدة بشدة وأحاول أن أملأ فراغي بما يشغل وقتي ويمتص طاقتي – وأحاول أن يكون إعتمادي فيه على الأشخاص قليل – لأني أعلم مشاغل الدنيا – وأن من هم موجودين اليوم غالباً ما سيكونوا مشغولين غداً.

 - صديقتي التي تحدثت عنها في البداية تحضر الماجيستير في الجودة – وكانت محاضراتها تمتص كل طاقتها وهي تتوقع ان تخلد إلى النوم بمجرد وصولها إلى منزلها – فلا تنام إلا ودموع حارقة على وجنتيها من شدة إحساسها بالوحدة.

- وإحدى الزميلات تكذب في اليوم الواحد مائة كذبة على والدها حتى لا ينقلب على خطيبها ويدفعها دفعاً إلى إنهاء خطبتهما – حتى إنها تشتري الكثير والكثير من متطلبات الزواج المتفق إنها على الخطيب ان يحضرها – لتساعده وتحسن من مظهره أمام أبيها – وفي أحيان كثيرة لا تشعر بتقدير خطيبها على ما تفعل – وعندما نوضح لها هذا الأمر – تقول وماذا أفعل بدونه؟ - حتى لو كان هذا طبعه فهذا أفضل من الحياة بدون رجل – أو بدون جواز.

- والزميلة الأخرى وصلت إلى حد إنها هي التي تعرض الزواج على من تتعرف عليهم وبالطبع هذا الإسلوب لا ينفع مع شباب شرقي – ينفر من الفتاة فور شعوره بشديد تعلقها به أو إقبالها عليه أو تقمصها لدور الصياد الذي يهواه.

 - أما أنا فـشعوري مختلف بعض الشيء – أشعر أنني متوازنة في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى أشعر بالتعب الشديد – أفكر في الزواج بشكل عقلاني وعاطفي – ولكني لا أريد أن أتزوج وأعيش حياة تعيسة – أو أن أنجب أبناء يكونوا بين أب وأم ليس بينهما تفاهم – هذا هو الجزء العقلاني.

أما الجزء العاطفي – فهو حلم الأمومة الذي يراود معظم الفتيات – فأنا أعشق الأطفال – وهم يبادلوني حباً بحب – أحياناً أقول ماذا لو أتزوج لأنجب طفلاً ثم أنفصل عن زوجي إن كان سيئاً؟؟؟

أحياناً يخنقني هذا الشعور – لأني أتصور حياتي مثلاً وأنا في الخمسين أو الستين من العمر – وحيدة.

وفي أحيان أخرى أتغلب على هذا الإحتياج بدفن كل همومي بين ذراعي طفل صغير عمره سنتان ونصف – هو إبن إحدى صديقاتي – أحبه بشدة وهو أيضاً يبادلني حباً بحب – تنسيني ضمة حضنه وذراعيه الملتفتان حول عنقي ويده الصغيرة التي تربت على كتفي عندما أحمله وأضمه إليّ أقول تنسيني كل هموم الدنيا – يطلب من والدته في بعض الأوقات عندما يستيقظ في الصباح أن تحادثني على الهاتف الجوال ليأتيني صوته الصغير هاتفاً (وشحتيني يا طنط – هذا ليس خطأ في الطباعة بل هكذا ينطق الكلمة) فيثير جو من البهجة والإنشراح في صدري وفي ساعات يومي كله بسبب هذه المكالمة الرقيقة.

 هكذا تبادلنا الحديث أنا وزملائي في الجلسة التي تواعدنا أن تتكرر بين وقت وآخر لكسر الملل وإشعار كل واحدة منا للأخريات بأننا موجودين لمساندة بعضنا البعض في أي وقت.

 وتساءلت وسرحت وأنا في طريق العودة لمنزلي – هل مازالت الفتيات يحلمن بالزواج للزواج فقط كي لا تحمل الفتاة لقب عانس؟؟ – أم ما زلن يأملن في أن يكون هناك رجلاً مسئولاً عنهما يدعمهن مالياً لأنهن بدونه لا يستطعن تحمل نفقات المعيشة؟؟ - أم هو الود والحب والعشرة وإعمار الأرض كما أمرنا ديننا الحنيف؟؟ - أم هي فقط الوحدة والخوف منها؟؟؟

 والحق يقال ...... لم أجد جواباً شافياً.