في مديح الأبيض

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

لم أكن يوماً من الفتيات اللواتي يستهويهن الوقوف أمام المرآة بالساعات – يتزينّ ويضعنّ على وجوههم من ألوان وأصناف الماكياجات العالمية أو حتى المحلية – وأحمد الله دوماً أن عافاني مما إبتلى به غيري من الفتيات فيما يتعلق بهذا الأمر بالذات – لأني كنت ومازلت أرى أن أجمل ماكياج هو الماكياج الرباني الذي خلقنا الله به وتختلف فيه كل فتاة عن الأخرى فتجد السمراء لا تكون في أوج جمالها إلا وهي سمراء وكلما حاولت إكساب نفسها من اللون الأبيض مازادها ذلك إلا شحوباً – ويسري ذلك بالطبع على الفتاة فاتحة البشرة أو النحيفة للغاية أو التي لها جسم ممتليء.

وأنا هنا بالطبع لا أتحدث عن صحة الجسم من سمنة أو نحافة أو خلافه – ولكني أتحدث عن حالة التوازن الرباني التي كلما حاول المرء تغيرها لم يزدد إلا قبحاً.

وكنت كثيراً ما أتساءل بماذا تشعر الفتاة أو السيدة التي تضع الماكياج على وجهها ثم ولأي سبب أرادت أن تغسل وجهها وهي خارج المنزل فلم تستطع – أو حتى ضاع تناسق هذا الماكياج تحت وطأة الجو الحار الذي أصبحنا نعيشه في معظم أيام العام – ليتلطخ هذا الوجة الذي كان من وجهة نظرها جميلاً – جمالاً زائفاً – يكفيه إرتفاع طفيف في درجات الحرارة ليتشوّه !!!

 أما عن علاقتي بالمرآة فقد كانت ومازالت هي تلك النظرات الخاطفة التي ألقيها على نفسي وأنا أنظر في المرآة سريعاً قبل نزولي إلى عملي أو إلى مقابلة الأهل أو الأصدقاء – حتى إن والدتي تقول لي إني أتعامل مع المرآة مثل تعامل الرجال معها.

وكل ما يعنيني من هذه النظرات الخاطفة هو التأكد من نظافة ملابسي وتناسق ألوانها وحسن هندامي ليس إلا.

أما اليوم .... فقد كان يوماً من الأيام القليلة النادرة جداً في حياتي الذي وقفت فيه أمام المرآة طويلاً – لأكتشف تسلل بعض الشعيرات البيضاء إلى رأسي – في البداية وجدت شعرة واحدة – ثم إكتشفت أنهما إثنتان – ثم ثلاثة – وتوقفت عن البحث والإحصاء عندما وصلت إلى العدد ستة – وقلت يكفي هذا – ماذا أستفيد إن كان عدد الشعيرات البيضاء ستة أو ستمائة النتيجة واحدة .... مرحلة جديدة في الحياة.

كنت دائماً ما أتساءل – لماذا تكره السيدات ظهور الشعر الأبيض وماذا سيكون شعوري عندما يحدث لي هذا – هل سأحزن وألجأ أول ما ألجأ إلى الصبغات أم ماذا سيكون إحساسي بالأمر؟

لأني طوال عمري أحب جداً السيدات والرجال ذوي الشعر الأبيض أو الرمادي – وأشعر نحوهم بحنين غريب وهيبة وإحترام – أرى في كل رجل ذو شعر أبيض الأب أو الجد – وأرى في كل سيدة ذات شعر أبيض الأم أو الجدة – وكثيراً ما أجدني أنتقد في نفسي من يقُمن بصباغة الشعر الأبيض – وأشعر أنهم يحاولون الهروب من الواقع ومن سنة الحياة.

 ولست أدري الآن كيف أصنف شعوري تجاة هذا الغزو الذي حدث لي؟

كل ما أنا متأكدة منه تماماً – إن ما بداخلي ليس شعوراً بالحزن – ولكنه خليط يجمع بين الآتي ربما بنسب متساوية:

-    شعور بالفرحة لكسر حاجز الملل والروتين بالإهتمام والإنشغال بأمر جديد – حتى ولو كان مثل هذا الأمر تافهاً من وجهة نظر أي شخص – ولكن تلك الفرحة متمثلة بأن هذا الأمر سيكون فيه جديد كل يوم أو كل شهر – سألاحظ تطورات هذا الغزو وكيف سأتعامل معه.

-    شعرت أيضاً بأنني أودع مرحلة الصبا وبواكير الشباب إلى أجمل مراحل العمر – المرحلة التي يعجز كثير من الناس عن تقيمها التقييم الصحيح والإستمتاع بها ألا وهي مرحلة النضج – فحسبما كنت أسمع وأقرأ أن منتصف الثلاثينات حتى منتصف الأربعينات للمرأة هو أوج نضوجها وجمالها الروحي – وأنا أعشق الجمال الروحي أكثر بكثير جداً من الجمال الخارجي (أعلم أن منكم من سيقول ربما تصل المرأة او الرجل إلى هذا السن وأكثر منه ولم ينضجوا بعد – وربما ينضج شباب وفتيات في سن أصغر تصقلهم الحياة بتجاربها فتغيرهم وتظهر ملامح المعادن الأصيلة النفيسة بداخلهم) – نعم هذا صحيح – ولكنني هنا أتحدث عن نفسي ولا أتحدث بشكل عام لذلك أعرف من أراء المحيطين بي أني ولله الحمد قد خطوت خطوات واسعة في مرحلة النضج – وأعرف ذلك أيضاً من تقييمي لكثير من الأمور ومقارنة ذلك التقييم بما كنت أفعله منذ عدة سنوات مضت – وأعلم أيضاً أن العام ونصف العام الماضيين قد غيروا فيّ الكثير والكثير وثبتوا أرائي حول بعض الأمور – وغيروا نظرتي للكثير من الأمور – بشكل عام كانت الفترة الماضية من تلك الفترات التي تمر على الإنسان فيتعلم من كل يوم ومن كل ساعة فيها ما قد لا يتعلمه في سنوات أو شهور.

-    شعور آخر إنتابني – فقلت لنفسي إذا كنت تشعرين أنك قد مر بك العمر وكبرتي – فبماذا تشعر أمي وجميع أمهاتنا اللواتي نتعامل معهن في كثير من الأحيان إنهن يتدللن علينا بزيادة ونحن عندنا وهم وتصور أنهم بصحتهم كما كانوا في شبابهم – ولكنهن فقط يردن إرهاقنا فحسب بالأوامر الكثيرة والتي تكون في كثير من الأحيان بسيطة ولكن ينتابنا العند معهنّ فلا ننفذها أو ننفذها ونحن متذمرين ومتأففين جداً .... ورق قلبي لوالدتي كثيراً.

-    أما الإحساس الأخير فهو إحساس بالحب والخوف معاً – دعوني أصف لكم لماذا شعرت بالخوف ربما لأني شعرت فجأة بإقتراب الأجل – كأنما لم أشعر بهذا من قبل ولم أتنبه له – وسألت نفسي ماذا أعددت من زاد لرحلة طويلة ولم أجد أجوبة واضحة فتسلل إلى نفسي الخوف حتى إنني تقريباً لم أنم من الأرق طوال الليل – أما عن إحساس الحب فقد شعرت كم يحبنا الله عز وجل – وكيف لا يحبنا وهو الذي خلقنا ونفخ فينا من روحه وأسجد لأبينا أدم ملائكته – ومن منّا لا يحب ما صنعه بيديه ويفخر به سواء كان كتاب أو لوحة فنية أو غيره – ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد – أقول شعرت بهذا الحب لأن الله يرسل إلينا مثل هذه الإشارات الواضحة كي نحذر فوات العمر وضياع الصحة والمال بدون أن نستفيد بهما ونستثمرهما في الحلال – فيما ما أمرنا الله عز وجل به – حمدت الله أنه يمهلنا العمر والفرصة لنتوب ونعود إليه وغيرنا قد مات وهو في ريعان الشباب وربما لم يلتفت إلى الإشارات السماوية التي يبعث بها الله إلينا جميعاً.

     قلت في نفسي من لا يشعر بمثل هذه الرهبة عند ظهور هذه الإشارات والتي تظهر بصورة شبه يومية وربما عدة مرات في اليوم الواحد ولكن منها ما يكون واضحاً وضوح الشمس ومنها ما يكون مستتراً وبعيداً عن المرء فلا يتصور أحياناً أن تصيبه – إن الذي لا يشعر بالخوف ويأمن من غدر الأيام وتقلب حالها فإنه بالتأكيد شخص أحمق.

أسأل الله لنا ولكم ألا نكون من الحمقى.

 وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ