ألف ليلة و ليلة ذلك العالم الساحر

ألف ليلة وليلة

 

رؤية جديدة لكتاب " ألف ليلة وليلة "

 

" ألف ليلة وليلة " ذلك الكتاب الساحر الأخاذ.. بوابة عالم السحر والخيال الذي ما أن تدخله حتى تتوه في زحام تقابل فيه الجميلات الفاتنات والعجائز الماكرات والرجال المغامرين واللصوص والشطار والملوك والصعاليك والحكماء والمجانين والحمقى والمتحامقين والعشاق والفساق والعباد والزنادقة.. وهو عالم رحيب يسع الإنس والجن تتعرف فيه علي اللامرئي وتعانق المستحيل.. عالم تمتطي فيه حصان خيالك وتبدأ رحلة استكشاف ذلك العالم الرحيب الذي لا تمل أبداً من التنقل في جنباته.

ولن يقتصر الأمر على تقديم الحكايات ولكن سنسلط الضوء على الحياة الاجتماعية ونتعرف على ما يتصل بالتاريخ والآثار والتحف والحرف والصناعات وما رسم من منمنمات زينت مخطوطات ألف ليلة وليلة.    

ألف ليلة وليلة هي مجموعة متنوعة من القصص الشعبية عددها حوالي مائتي قصة تتداخل لغتها بين الفصحى والعامية, ويتخللها شعر مصنوع، أكثره ضعيف التركيب في نحو 1420 مقطوعة, و كلها حديثة, مما جعل البحث في أصلها عسير جداً. و قد قيل إنها مترجمة عن أصل بهلوي فارسي اسمه الهزار أفسان أي الألف خرافة, و لكن هذا الأصل لم يعثر عليه قط. و عموما, فإن تاريخها الحديث يبدأ عندما ترجمها إلى الفرنسية المستشرق الفرنسي انطوان جالان عام 1704م, والذي صاغ الكتاب بتصرف كبير, و صار معظم الكتاب يترجم عنه طوال القرن الثامن عشر وما تلاه. وقد قُلّدت الليالي بصورة كبيرة واستعملت في تأليف القصص وخاصة للأطفال, كما كانت مصدراً لإلهام الكثير من الرسامين والموسيقيين ومنها المتوالية الأوركسترالية " شهرزاد " لكورساكوف. وتحتوي قصص ألف ليلة وليلة على شخصيات أدبية خيالية مشهورة كعلاء الدين، وعلي بابا والسندباد، بدور ، شهرزاد و شهريار، الشاطر حسن. وتسمى في البلاد الغربية الليالي العربية.

أما الحقائق الثابتة حول أصلها, فهي أنها لم تخرج بصورتها الحالية, وإنما أُلّفت على مراحل وأضيفت إليها على مر الزمن مجموعات من القصص بعضها له أصول هندية قديمة معروفة, و بعضها مأخوذ من أخبار العرب وقصصهم الحديثة نسبياً. أما موطن هذه القصص, فقد ثبت أنها تمثل بيئات شتى خيالية وواقعية, وأكثر البيئات بروزاً هي في العراق وسوريا ومصر. والقصص بشكلها الحالي يرجح كتابتها في القرن الرابع عشر الميلادي.

مؤلف الكتاب

 

حكايات في عالم مشغول بالسحر والسحرة، صاخب إلى أبلغ درجات الصخب والهوس والعربدة، ماجن إلى آخر حد، مجنون مفتون، نابض بالحياة والخلق والحكمة والطرب ويميل بعض النقاد إلى الاعتقاد بأن واضع هذا الكتاب ليس فرداً واحداً بالرغم من إجماعهم على أن نواة ألف ليله وليلة فارسية. ويميل بعضهم إلى الجزم بأن أصل الكتاب هندي مع إقرار ببعض الفضل للفرس والعرب فيه فهناك حكايات عديدة نسبت إلى الهند وبلاد فارس وحكايات تنسب إلى بغداد و الكوفة والبصرة ودمشق والقاهرة ومصر و اليمن.وقد كتب محسن مهدي في مقدمة طبعة ا. ي. بريل عام 1984 أنه "بعد أن انتقلت نسخة الكتاب الخطية بين الشام ومصر مدة تزيد على أربعة قرون من الزمن، وترجم من نسخ خطية إلى اللغة التركية والفرنسية والإنجليزية، وظهرت منه مقتطفات مطبوعة في إنجلترا في نهاية القرن الثامن عشر من الميلاد، طبع الكتاب لأول مرة في كلكتا في الهند في جزئين، في المطبعة الهندوستانية وبرعاية كلية فورت وليم - الجزء الأول بعنوان "حكايات مائة ليلة من ألف ليلة وليلة" عام 1814 م، والجزء الثاني بعنوان "المجلد الثاني من كتاب ألف ليلة وليلة يشتمل على حكايات مائة ليلة وأخبار السندباد مع الهندباد" عام 1818 م - نشره الشيخ أحمد بن محمود شيرواني اليماني أحد أعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة العربية في الكلية المذكورة. وقد أقتصر الناشر على وضع مقدمة موجزة باللغة الفارسية ذات الأسلوب الهندي في أول كل واحد من الجزأين هذا نصها وترجمتها:

" لا يخفى أن مؤلف ألف ليلة وليلة شخص عربي اللسان من أهل الشام. وكان غرضه من تأليف هذا الكتاب أن يقرأه من يرغب في أن يتحدث بالعربية فتحصل له من قراءته طلاقة في اللسان عند التحدث بها. ولهذا كتب بعبارات سهلة كما يتحدث بها العرب، مستعملاً في بعض المواضع ألفاظًا ملحونة بحسب كلام العرب الدارج. ولذلك فلا يظن من يتصفح هذا الكتاب ويجد ألفاظًا ملحونة في مواضع منه أنها غفلة من المصحح، وإنما وضعت عمدًا تلك الألفاظ التي قصد المؤلف استعمالها كما هي."

وإن كان محسن مهدي يرجع ما يصفه الشيخ شيرواني بالألفاظ الملحونة إلى التعديلات التي قام الأخير بها " كما اشتهى وكما أملاه طبعه اللغوي وذوقه الأدبي " وهي إشارة من محسن مهدي إلي أن النسخة الأصلية قد مرت بأطوار من التعديلات على أيدي الناشرين.

عصر الكتاب واسمه

 

يغلب الظن إن هذا الكتاب وضع بين القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر, أما اسم الكتاب فلم يعرف قط، ولكن يقال أنه أطلق عليه اسم فارسي، (هزارافسانه), وتعني ألف خرافة وأما عامة الناس فيطلقون عليه أسم ألف ليلة وليلة وهو ما وصل إلينا.

وتبدأ الليالي بقصة الملك شهريار الذي يشاء القدرأن يعلم بخيانة زوجته له فيأمر بقتلها وقطع رأسها، وأن ينذر أن يتزوج كل ليلة فتاة من مدينته ويقطع رأسها في الصباح انتقاماً من النساء. حتى أتى يوم لم يجد فيه الملك من يتزوجها فيعلم أن وزيره لديه بنت نابغة اسمها شهرزاد فيقرر أن يتزوجها وتقبل هي بذلك. وتطلب شهرزاد من أختها دنيازاد أن تأتي إلى بيت الملك وتطلب من أختها أن تقص عليها وعلى الملك قصة أخيرة قبل موتها في صباح ذلك اليوم فتفعل أختها دنيازاد ما طلب منها. في تلك الليلة قصت عليهم شهرزاد قصة لم تنهها وطلبت من الملك أنه لو أبقاها حية فستقص عليه بقية القصة في الليلة التالية. وهكذا بدأت شهرزاد في سرد قصص مترابطة بحيث تكمل كل قصة في الليلة التي تليها حتى وصلت بهم الليالي ألف وليلة واحدة. فوقع الملك في حبها وأبقاها زوجة له وتاب عن قتل الفتيات واحتفلت مدينة الملك بذلك لمدة ثلاثة أيام. إن" ألف ليلة وليلة " ليس مجرد كتاب حكايات, إنه عالم أسطوري ساحر، مليء بالحكايات الجميلة والحوادث العجيبة والقصص الممتعة والمغامرات الغريبة. عالم يعبره القارئ بمركبه الروحي في رحلة من أجمل رحلات الاستمتاع النفسي ينتهي منها مفتوناً، مأخوذاً بصور الجمال الباهرة والأحداث المتداخلة والسرد العفوي أحياناً. وهي بالإضافة إلى ذلك إنجاز أدبي ضخم قدره الغربيون فترجموه إلى لغاتهم، وأمعنوا في دراسته وتحليله. حتى تحولت الليالي إلى وحي لفنانين كثيرين أخصبت خيالهم إلى حد الإبداع، فظهر ذلك في أعمالهم الروائية والمسرحية والشعرية والموسيقية وغيرها. " ألف ليلة وليلة " جديرة بالدخول إلى كل بيت ليقرأها الآباء والأبناء وكل من يبحث عن الخيال والجمال والثقافة.

اللغة

 

تعكس اللغة في نسخ (ألف ليلة وليلة) عامية بغدادية لها أهمية في دراسة اللغة العربية و كيفية تحولها إلى ما آلت إليه في عصرنا الحالي فهناك ألفاظ و جمل ما زالت إلى اليوم تستعمل في بلاد الشام " المعروفة قديماً " ففي مصر والعراق والأردن وسوريا والبلاد الأخرى كبلاد المغرب والحجاز نجد عناصر هذه التراكيب الدارجة والأساليب العامية والكلمات. و هذا فضلاً عن أن هناك تراكيب ظلت كما هي على مدار الكتاب في كل مناسبة لم تتغير ولم يحاول المؤلف أن يتصرف فيها بل تطل علينا في كل سياق.

حكاية الملك شهريار وأخيه الملك شاه زمان

 

حكي والله أعلم أنه كان فيما مضى من قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك من ملوك ساسان بجزائر الهند والصين صاحب جند وأعوان وخدم وحشم له ولدان أحدهما كبير والآخر صغير وكانا بطلين وكان الكبير أفرس من الصغير وقد ملك البلاد وحكم بالعدل بين العباد وأحبه أهل بلاده ومملكته وكان اسمه الملك شهريار وكان أخوه الصغير اسمه الملك شاه زمان وكان ملك سمرقند العجم ولم يزل الأمر مستقيماً في بلادهما وكل واحد منهما في مملكته حاكم عادل في رعيته مدة عشرين سنة وهم في غاية البسط والانشراح. لم يزالا على هذه الحالة إلى أن اشتاق الكبير إلى أخيه الصغير فأمر وزيره أن يسافر إليه ويحضر به فأجابه بالسمع والطاعة وسافر حتى وصل بالسلامة ودخل على أخيه وبلغه السلام وأعلمه أن أخاه مشتاق إليه وقصده أن يزوره فأجابه بالسمع والطاعة وتجهز وأخرج خيامه وبغاله وخدمه وأعوانه وأقام وزيره حاكماً في بلاده وخرج طالباً بلاد أخيه. فلما كان في نصف الليل تذكر حاجة نسيها في قصره فرجع ودخل قصره فوجد زوجته راقدة في فراشه معانقة عبداً أسود من العبيد فلما رأى هذا اسودت الدنيا في وجهه وقال في نفسه : إذا كان هذا الأمر قد وقع وأنا ما فارقت المدينة فكيف حال هذه العاهرة إذا غبت عند أخي مدة ثم أنه سل سيفه وضرب الاثنين فقتلهما في الفراش ورجع من وقته وساعته وسار إلى أن وصل إلى مدينة أخيه ففرح أخوه بقدومه ثم خرج إليه ولاقاه وسلم عليه ففرح به غاية الفرح وزين له المدينة وجلس معه يتحدث بانشراح فتذكر الملك شاه زمان ما كان من أمر زوجته فحصل عنده غم زائد واصفر لونه وضعف جسمه فلما رآه أخوه على هذه الحالة ظن في نفسه أن ذلك بسبب مفارقته بلاده وملكه فترك سبيله ولم يسأل عن ذلك. ثم أنه قال له في بعض الأيام : يا أخي أنا في باطني جرح ولم يخبره بما رأى من زوجته فقال : إني أريد أن تسافر معي إلى الصيد والقنص لعله ينشرح صدرك فأبى ذلك فسافر أخوه وحده إلى الصيد. وكان في قصر الملك شبابيك تطل على بستان أخيه فنظروا وإذا بباب القصر قد فتح وخرج منه عشرون جارية وعشرون عبداً وامرأة أخيه تمشي بينهم وهي غاية في الحسن والجمال حتى وصلوا إلى فسقية وخلعوا ثيابهم وجلسوا مع بعضهم وإذا بامرأة الملك قالت: يا مسعود فجاءها عبد أسود فعانقها وعانقته وواقعها وكذلك باقي العبيد فعلوا بالجواري ولم يزالوا في بوس وعناق ونحو ذلك حتى ولى النهار. فلما رأى أخو الملك ذلك قال : والله إن بليتي أخف من هذه البلية وقد هان ما عنده من القهر والغم وقال : هذا أعظم مما جرى لي ولم يزل في أكل وشرب. وبعد هذا جاء أخوه من السفر فسلما على بعضهما ونظر الملك شهريار إلى أخيه الملك شاه زمان وقد رد لونه واحمر وجهه وصار يأكل بشهية بعدما كان قليل الأكل فتعجب من ذلك وقال : يا أخي كنت أراك مصفر الوجه والآن قد رد إليك لونك فأخبرني بحالك فقال له : أما تغير لوني فأذكره لك واعفني من إخبارك برد لوني فقال له: أخبرني أولاً بتغير لونك وضعفك حتى أسمعه. فقال له : يا أخي إنك لما أرسلت وزيرك إلي يطلبني للحضور بين يديك جهزت حالي وقد برزت من مدينتي ثم أني تذكرت الخرزة التي أعطيتها لك في قصري فرجعت فوجدت زوجتي معها عبد أسود وهو نائم في فراشي فقتلتهما وجئت عليك وأنا متفكر في هذا الأمر فهذا سبب تغير لوني وضعفي وأما رد لوني فاعفني من أن أذكره لك. فلما سمع أخوه كلامه قال له : أقسمت عليك بالله أن تخبرني بسبب رد لونك فأعاد عليه جميع ما رآه فقال شهريار لأخيه شاه زمان : اجعل أنك مسافر للصيد والقنص واختف عندي وأنت تشاهد ذلك وتحققه عيناك فنادى الملك من ساعته بالسفر فخرجت العساكر والخيام إلى ظاهر المدينة وخرج الملك ثم أنه جلس في الخيام وقال لغلمانه لا يدخل علي أحد ثم أنه تنكر وخرج مختفياً إلى القصر الذي فيه أخوه وجلس في الشباك المطل على البستان ساعة من الزمان وإذا بالجواري وسيدتهم دخلوا مع العبيد وفعلوا كما قال أخوه واستمروا كذلك إلى العصر. فلما رأى الملك شهريار ذلك الأمر طار عقله من رأسه وقال لأخيه شاه زمان : قم بنا نسافر إلى حال سبيلنا وليس لنا حاجة بالملك حتى ننظر هل جرى لأحد مثلنا أو لا فيكون موتنا خير من حياتنا فأجابه لذلك. ثم أنهما خرجا من باب سري في القصر ولم يزالا مسافرين أياماً وليالي إلى أن وصلا إلى شجرة في وسط مرج عندها عين بجانب البحر المالح فشربا من تلك العين وجلسا يستريحان. فلما كان بعد ساعة مضت من النهار وإذا هم بالبحر قد هاج وطلع منه عمود أسود صاعد إلى السماء وهو قاصد تلك المرجة. فلما رأيا ذلك خافا وطلعا إلى أعلى الشجرة وكانت عالية وصارا ينظران ماذا يكون الخبر وإذا بجني طويل القامة عريض الهامة واسع الصدر على رأسه صندوق فطلع إلى البر وأتى الشجرة التي هما فوقها وجلس تحتها وفتح الصندوق وأخرج منه علبة ثم فتحها فخرجت منها صبية بهية كأنها الشمس المضيئة كما قال الشاعر:

أشرقت في الدجى فلاح النهار.... واستنارت بنورها الأسحار

تسجد الكائنات بين يديها..... حين تبدو وتهتك الأستار

وإذا أومضت بروق حماها....... هطلت بالمدامع الأمطار

قال: فلما نظر إليها الجني قال: يا سيدة الحرائر التي قد اختطفتها ليلة عرسها أريد أن أنام قليلاً ثم أن الجني وضع رأسه على ركبتيها ونام فرفعت رأسها إلى أعلى الشجرة فرأت الملكين وهما فوق تلك الشجرة فرفعت رأس الجني من فوق ركبتيها ووضعته على الأرض ووقفت تحت الشجرة وقالت لهما بالإشارة انزلا ولا تخافا من هذا العفريت فقالا لها : بالله عليك أن تسامحينا من هذا الأمر فقالت لهما بالله عليكما أن تنزلا وإلا نبهت عليكما العفريت فيقتلكما شر قتلة فخافا ونزلا إليها فقامت لهما وقالت ارصعا رصعاً عنيفاً وإلا أنبه عليكما العفريت فمن خوفهما قال الملك شهريار لأخيه الملك شاه زمان: يا أخي افعل ما أمرتك به فقال : لا أفعل حتى تفعل أنت قبلي وأخذا يتغامزان على نكاحها فقالت لهما ما أراكما تتغامزان فإن لم تتقدما وتفعلا وإلا نبهت عليكما العفريت فمن خوفهما من الجني فعلا ما أمرتهما به فلما فرغا قالت لهما قفا وأخرجت لهما من جيبها كيساً وأخرجت لهما منه عقداً فيه خمسمائة وسبعون خاتماً فقالت لهما : أتدرون ما هذه ؟ فقالا لها : لا ندري.. فقالت لهما أصحاب هذه الخواتم كلهم كانوا يفعلون بي على غفلة قرن هذا العفريت فأعطياني خاتميكما أنتما الآخران فأعطياها من يديهما خاتمين فقالت لهما إن هذا العفريت قد اختطفني ليلة عرسي ثم أنه وضعني في علبة وجعل العلبة داخل الصندوق ورمى على الصندوق سبعة أقفال وجعلني في قاع البحر العجاج المتلاطم بالأمواج ولا يعلم أن المرأة منا إذا أرادت أمراً لم يغلبها شيء كما قال بعضهم:

لا تأمنن إلى النساء .... ولا تثق بعهودهن

فرضاؤهن وسخطهن .... معلق بفروجهن

يبدين وداً كاذباً .... والغدر حشو ثيابهن

بحديث يوسف فاعتبر .... متحذراً من كيدهن

أو ما ترى إبليـس أخـرج آدماً من أجلهن

فلما سمعا منها هذا الكلام تعجبا غاية العجب وقالا لبعضهما : إذا كان هذا عفريتاً وجرى له أعظم مما جرى لنا فهذا شيء يسلينا. ثم أنهما انصرفا من ساعتهما ورجعا إلى مدينة الملك شهريار ودخلا قصره. ثم أنه رمى عنق زوجته وكذلك أعناق الجواري والعبيد وصار الملك شهريار كلما يأخذ بنتاً بكراً يزيل بكارتها ويقتلها من ليلتها ولم يزل على ذلك مدة ثلاث سنوات فضجت الناس وهربت ببناتها ولم يبق في تلك المدينة بنت تتحمل الوطء. ثم أن الملك أمر الوزير أن يأتيه ببنت على جري عادته فخرج الوزير وفتش فلم يجد بنتاً فتوجه إلى منزله وهو غضبان مقهور خائف على نفسه من الملك.

وكان الوزير له بنتان ذاتا حسن وجمال وبهاء وقد واعتدال الكبيرة اسمها شهرزاد والصغيرة اسمها دنيازاد وكانت الكبيرة قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضيين. قيل أنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء فقالت لأبيها : مالي أراك متغيراً حاملاً الهم والأحزان وقد قال بعضهم في المعنى شعراً :

 

قل لمن يحمل هماً ....... إن هماً لا يدوم

مثل ما يفنى السرور.... هكذا تفنى الهموم

فلما سمع الوزير من ابنته هذا الكلام حكى لها ما جرى له من الأول إلى الآخر مع الملك فقالت له : بالله يا أبت زوجني هذا الملك فإما أن أعيش وإما أن أكون فداء لبنات المسلمين وسبباً لخلاصهن من بين يديه فقال لها : بالله عليك لا تخاطري بنفسك أبداً فقالت له : لا بد من ذلك فقال : أخشى عليك أن يحصل لكن ما حصل للحمار والثور مع صاحب الزرع فقالت له: وما الذي جرى لهما يا أبت ؟  

79imag