مقال نافذ

 

 دم «بوتو» يعنيني.. ويعنيك

 بقلم  سليمان جودة    ٢٩/١٢/٢٠٠٧

مقاصد الأديان واحدة، وهي لا تحض علي عنف، ولا تأمر بقتل، ولا تبيح دم إنسان.. ومع ذلك فوقائع الاغتيالات الكبري بدأت من الدين وانتهت إليه!

واغتيال بي نظير بوتو، أمس الأول، ليس بعيداً عن هذه الدائرة.. صحيح أن أحداً لم يقطع، حتي الآن، بحقيقة شخصية القاتل أو حقيقة انتمائه.. وصحيح أن هناك كلاماً قيل عن علاقة لتنظيم القاعدة بالموضوع..

ولكنه ليس مؤكداً إلي الآن.. غير أن المؤكد - علي سبيل اليقين - هو أن الذي اغتال السادات كان مسلماً، بل كان متديناً، يعتقد أنه يفهم في أمور الدين أكثر من غيره، وأنه أحق بإقامة حدود الإسلام وتطبيقها علي الآخرين، بمَنْ فيهم رئيس الدولة.. ثم تبين له ولغيره، فيما بعد، أنه كان علي خطأ بنسبة مائة في المائة، بل إن منهم مَنْ قال بأن السادات سقط شهيداً.

والذي أطلق الرصاص علي إسحاق رابين، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، كان يهودياً متديناً، وكان متطرفاً في فهمه لمقاصد اليهودية الحقيقية، وهي مقاصد لا تختلف عن مقاصد الإسلام، ولا عن مقاصد المسيحية، من حيث إنها تقدم حياة الإنسان، وترفع قيمة روحه فوق أي شيء، وتجعل الاعتداء عليها حراماً لا يقبل أي شك ولا نقاش.

والذي اغتال غاندي كان هندوسياً متشدداً، وكان يرفض أن يقف غاندي إلي جوار مسلمي الهند، من أجل استقلالهم يومها، في دولة ناشئة، اسمها باكستان، لم تلبث أن انقسمت إلي باكستان الشرقية، هي بنجلاديش حالياً، ثم باكستان الغربية، التي سقطت فيها بوتو، غارقة في دمائها، تتطاير أشلاؤها في كل اتجاه!

والذي حاول الاعتداء علي حياة البابا السابق يوحنا بولس الثاني، في تركيا كان مسلماً، يعتقد، عن خطأ فاحش، أن إسلامه ينصحه بإهدار دم المسيحي!!

والتاريخ مليء بهذا الهوس في فهم الدين، وفي إدراك غاياته البعيدة، التي تلتقي كلها حول حقيقة، لا جدال فيها، وهي أن الله تعالي لا يرضي أبداً عن قتل إنسان، أياً كانت ديانته، وأياً كانت عقيدته، وأياً كان إيمانه الذي يستقر في قلبه، ولا شأن لأحد به إلا خالقه سبحانه وتعالي.

اغتيال بوتو، شأن عالمي ودولي، وليس شأناً باكستانياً علي الإطلاق.. وإذا كانت إسبانيا قد شهدت الشهر الماضي مؤتمراً عالمياً عن البيئة، حضره ألف من علماء المناخ في أركان الدنيا، وخرجوا من هناك، وهم مؤمنون، بأن شأن الطقس المتغير بسبب التلوث،

يهم كل بني آدم علي ظهر الأرض ويضره.. فإن ما حدث لبوتو يهم أيضاً ويؤذي مشاعر كل واحد في أي أرض.. ولابد - بالتالي - أن ينعقد مؤتمر يتوازي مع مؤتمر البيئة، وتخرج منه أصوات عاقلة من الأديان جميعها تنشر علي امتداد العالم، أن الأديان في أهدافها، القريبة والبعيدة، لا تقر أي اعتداء، علي حياة أي إنسان.

وليست هناك دولة مهيأة لاحتضان مؤتمر من هذا النوع، إلا مصر، ليس عن تعصب لها، وإنما عن رغبة في الإشارة إلي حقيقة مهمة، هي أن مسلمي مصر، كتلة واحدة، ليس بينهم مَنْ يقول إنه شيعي، ولا مَنْ يقول إنه سني.. ولا.. ولا.. إنه مسلم.. وفقط.. وكذلك أقباطها، عنصر فاعل، ومعتدل طوال الوقت.. وإذا كان هناك تطرف محدود، أو متطرفون قلة، فهؤلاء لا ينالون من حقيقة أن مصر، هي أكثر البلاد المسلمة اعتدالاً، في فهم مقاصد الدين وغاياته.

وإذا كان هناك مَنْ يطارد البعض، من وقت لآخر، بتهمة معاداة السامية.. فالأولي، والأحق، أن تكون التهمة، هي معاداة الإنسانية، وأن يتلقي كل مَنْ تثبت عليه، عقابه الرادع!"

عن المصري اليوم عدد اليوم السبت 29.12.2007