كشف الأسرار و هتك الأستار و فضح الفجار

 

صـدق الكـاذبيـن

بقلم : إبراهيم كامل أحمد

العقل العربي عقل مبدع مغامر جوال قوال في كل مجال . وقبل أن يتخلق " علم الإجرام " " Criminology " جنيناًً في رحم العقل الغربي ، كان العقل العربي قد وضع قواعد علوم تعني بكشف أسرار المحتالين وفضح كذب المدعين وهتك الأستار لتظهر للناس حقيقة اللصوص الماكرين الذين تفوقوا علي الشياطين . ومن هـذه العلـوم " علم كشف الدك وإيضاح الشك " وعلم الحيل الساسانية " (1) ، و " علم الشعبذة والتخيلات " و " علم تعلق القلب " . وقد أبدعت قرائح العلماء المسلمين كتباً في هذه العلوم وصل إلينا بعضها وفقد ما فقد ، وأحياناً كان الحكام أنفسهم يكلفون العلماء بوضع تلك الكتب ، كما حدث عندما طلب الملك المسعود بن مودود بن ركن الدين نصر الدين محمود الأرتقي صاحب آمد وحصن كيفا من " الشيخ عبد الرحيم الجوبري " أن يضع له كتاباً في " علم الدك وإيضاح الشك " عندما زاره " الجوبري " سنه 629 / 1232 م . وقـد كان فوضـع " الجوبـري " كتابه " المختار في كشف الأسرار وهتك الأستار " ، والذي طبع للمرة الأولـي في دمشق في شهر جمادي الثاني سنه 1302 ﻫ / 1885 م .

ولكن ما هو " علم الدك وإيضاح الشك " ؟

 

يعرفنا " أحمد بن مصطفي الشهير بطاش كبري زاده " بهذا العلم في كتابه " مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم " بقوله : " وهو علم يتعرف منه الحيل المتعلقة بالصنائع الجزائية : من التجارات وصنعة السميـن ، والـلازورد ، واللعل ، والياقوت ، وتغرير ( خداعهم ) الناس في ذلك . ولما كان مبناه محرماً أضربنا عن تفصيله . وإن أردت الوقوف عليه فارجع إلي كتاب المختار " . وهو يقصـد بالطبـع كتاب " الجوبـري " ( المختـار في كشف الأسرار وهتك الأستار ) . ويضيف " حاجي خليفة " في كتابه " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " إلي معرفتنا بعضاً من عناوين الكتب المؤلفة في هذا العلم فيذكر لنا :

· كشف أسرار المحتالين ونواميس الحيالين للإمام الأوحد عبد الرحيم بن عمر الدمشقي الحراني وهو يشتمل علي ثلاثين فصلاً ، وينسـب " الجوبـري " إلـي " أبـي الخيـر " – وقـد كـان أبـو الخيـر مـن أعلـم علماء الرمـل فـي زمانـه كما قال عنـه " الجوبـري " الـذي أجتمـع به وصحبه – كتاباً عنوانه " كشف أستار المحتالين ونواميس الحيالين " .

· كشـف الــدك وإيضـاح الشـك " لأبـي عامـر أحمـد بـن عبـد الملـك الأنـدلسـي " ويعلــق " حاجي خليفـة " عليـة بقولـه : " كتاب مشهور في علم الحيل والشعبذة " ، وهو نفس كتاب " ابن شهيد المغربـي – وأبـن شهيــد (2) ماهـي إلا كنيـة لأبـي عامـر أحمـد بـن الملك الأندلسي ، وإن كان (حاجي خليفة) يجعل كنية المؤلـف ابن الشهيد " – (ت 326 ﻫ / 1035 م) والذي كان الملك " المسعود الأرتقي " معجباً به مما دعاه إلي أن يطلب من الشيخ " الجوبـري " أن يضـع لـه كتابـاً يحـذو فيـه حـذو " ابن شهيـد " . وهنا إختلاف بين " الجوبري " و " حاجي خليفة " في نسبة المؤلف فالأول يجعله مغربياً والثاني ينسبه إلي الأندلس ، وعلي أية حال فالثاني أصح في النسبة لأن ابن الشهيد كان مقامه في قرطبة من بلاد الأندلس ، أما ما وهم فيه فهو الكنية والتي يجعلها ابن الشهيد ، وربما كان ذلك خطأ من قاموا علي الإستنساخ لكتاب حاجي خليفة .

علم الحيل الساسانية :

وإذا ما إنتقلنا إلي " علم الحيل الساسانية " نجد " أبا الخير " يعرفه بقوله " : علم يعرف به طريق الإحتيال في جلب المنافـع وتحصيـل الأموال . والذي باشرها ( أي الحيـل ) يتزيى في كل بلدة بزي يناسب تلك البلدة ، بأن يعتقد أهلها في أصحاب ذلك الزي ، فتارة يختارون زي الفقهاء ، وتارة يختارون زي الوعاظ ، وتارة يختارون زي الصوفية ، وتارة يختارون زي الأشراف إلي غير ذلك . ثم هم يحتالون في خداع العوام بأمور تعجز العقول عن ضبطها " وقد خصص " الجوبـري " الفصـل السـادس من كتابـه للحيل الساسانية وجعل عنوانه " في كشف أسرار بني ساسان " ووصفهم بقوله : " وهم أصحاب الدهاء والمكر والحيل ولهم جسارة علي كل ما يفعلونه ، ولهم ألف باب من الأبـواب " ، وبعـد أن يذكـر بعـض حيلهـم بأخذ في روايـة " حـوادث " كان هـو شاهـد عيـان لهـا تقـع الأولـي منهـا فـي " حـران " ( سنه 613 ﻫ / 1216 م ) ، أما الثانية ففي قرية من بلاد الروم (سنه 616 ﻫ / 1216 م) ، أما الثالثة فهـي عبـارة عـن إحتيال بعـض الأشخاص مـن الأعاجـم (ومن المؤكد أن الجوبري يقصد أشخاصاً من العجم لأنه يتحدث عن بني ساسان ويعينهم بالإسم) لأخذ المال من الناس بزعم أن رفيقهم توفي ويكدون عليه لأجل تكفينه وتجهيزه .ولكنه لم يذكر مكان ولاوقت حدوث ذلك أما الفصل السابع من الكتاب فعنوانه مثير ومشوق : " في كشف أسرار الذين يمشون بالنملة السليمانية " ومن السطر الأول يتضح لنا " أن هذه الطائفة هم نوع من بني ساسان " (3) ، ويزعم الجويري بالإضافة إلي ذلك أن " لهم كتاباً قائماً بذلك يعرف بكتاب العزيز " مما يخرجهم دون شك عن ملة الإسلام طالما أن لهم كتاباً غير القرآن الكريم ، ومضي الجوبري في كيل التهم لأولئك الناس فيزعم أيضاً " وهؤلاء القوم قد تسلطوا علي أخذ أموال الناس والفسق بالأولاد ، ولهم الدهاء والمكر والحيل " ، ومضي الجوبري علي مدي أربع صفحات في شرح كيفية عمل هؤلاء القوم ، وكيف يكونون فريقاً من ثلاثة أشخاص يكون القائد فيه شيخاً وقوراً يظهر الكرامات ويبدي ما يقرب من إستحقاق الوصف بالمعجزات للإحتيال علي ضحيتهم والإيقاع به وتوريطه في ارتكاب المعصية ، وربما بعد توريطه تم إستلاب ماله بالإبتزاز خشية إفتضاح سره أو سرها خاصة وأنه أو أنها من الأولاد مما يسهل التأثير عليهم والسيطرة علي عقولهم بمبهر الحيل والمتقن من الألاعيب . وربما صحت بعض الحوادث التى رواها الجربري ، ولكن ينبغي للقارئ المنصف المدقق أن يأخذ هذه الروايات بشئ من الحذر والتروي والتمعن في صدقها خاصة وأنها موجهة تجاه شعب بعينه أو أمة بذاتها ، مما يشتم فيه رائحة التعصـب ، وتتضح معـه النيـة فـي الحـط مـن شـأن أولتـك القـوم وإخراجهـم حتـى عـن دائـرة الإسلام وجماعة المسلمين ، وما أسهل تكفير إنسان أو جماعة أو حتى شعب بأكمله ، خاصـة وقـد ابتـدأت هذه اللعبة الخطرة الجماعات والأحزاب المتنافسة علي القوة والسلطان والتسلط منذ حدثت فتنة الخليفة ذي النوريـن " عثمان بن عفان " أحد العشرة المبشرين بالجنة والذين لم يرعوا له حقاً ، ولم يتذكروا ما أنفق من حر ماله من أجل إعلاء كلمة الإسلام والتيسير علي المسلمين أنفسهم ، واستمر المسلسل الدرامي تتابع فصوله عبر عهود التاريخ الإسلامي ، فما أيسر أن يتهم الحاكم من يعارضه في الرأي ، أو حتى يخالفه في الرؤية بأنه كافر وملحد وخارج عن جماعة الإسلام ، وكذلك كان من السهل أيضاً علي أولئك المخالفين في الرأي أو الرؤية أن يردوا الكرة إلي ملعب الحاكم متهمين إياه هو ومن حوله ، والممسكين بعصا السلطان وعنان السلطة بأنه كافر مستحل لدماء المسلمين وأعراضهم هو وجماعته الملتفين حوله والمؤيدين له ، والمستفيدين بالطبع من ثمار السلطة وناتج السلطان . وتزخر كتب التاريخ الإسلامي العام والإقليمي بكثير من المآسي الدامية التي وظف فيها الدين الحنيف الخاتم ، أو حتى الإدعاءات الدينية في خدمة أغراض شخصية محضة سواء من جانب الحكام أو الطامعين في الحكم والسلطان .

وقـد جسـد الأديـب " ابن دانيـال " الموصلي الكحال – الأب الحقيقي لمسرح خيال الظل العربي ، والذي عـاش بمصـر فـي دولـة الظاهـر بيبـرس الأول المملوكـي – بنـي ساسـان فـي بابـة (تمثيليـة) " عجيب وغريـب " فهـو يقـدم لبابتـه بقولـه : " وهـذه البابـة تتضمـن الغربـاء المحتاليـن مـن الأدبـاء الآخذين بهذا الشأن المتكلمين بلغة الشيخ ساسان (4) " ثم يأتي علي لسان " الغريب " أحد شخوص البابة تعداد لطرق الإحتيال التي يلجأ إليها ينو ساسان : " فأطرحت الإحتشام بمصر والعراق والشام ، وتساوت عندى المساوي ، وادعيت أباطيل الدعاوى ، فطوراً ادعي معرفة الكيميا ، وآونة أثب بالمطالب والسيميا (5) ، ووفتاً بالعزايم والتغوير ، وتارة أكتب علي الشقف لذهاب ماء البير ، وادعي الحكم علي ملوك الجان ، واستحضر ميططرون والشيصبان ، ثم انشكع كالمجنون ، أخرج الزبد من فمي بالصابون ، وربما هابرت العميان ، وألصقت أجفاني بعلك اللبان ، وورمت أطرافي بالدرباس ، وأتباكـي بالكندس من الإفلاس " . ويبرر " الغريب " البوح بأسرار طائفته من بني ساسان : " إلا أنني ياريس علي – الريس علي هو رئيس فريق المخايلين القائم بعرض البابة علي الجمهور – ما أطلعتك علي هذه الأسرار إلا وقد غلب علي عقلي الخمار " .

علم الشعبذة والتخييل :

الشعبذة أو الشعوذة هي خفة اليد وأخذ كالسحر يري الشئ علي غير ماهو في الأصل . ويعرف " طاش كبري زادة " هذا العلم بأنه " علم مبني علي خفة اليد بأن يري الناس الأمر المكرر واحداً لسرعة تحريكه ، والواحد مكرراً ، ويري الجماد حياً ، ويخفـي المحسوس عـن أعيـن الناس بلا أخذ من عندهم باليد . " ويقدم لنـا " ابن دانيال " صورة مرسومة بدقة للمشعوذ الدجال وما يأتيه من الفعال التي لاتخطر علي بال : " يخرج شمعون المشعوذ وصندوقه وطبلـه وأحقاقه ورفيقه ، ويمد الصغير يده ويحرك الجرذان الخشب والعصافير ، ويدق الطبل ، ويدلي الحبل ، ويبدل الحبة مكان الحبة ، ويزرع البستان ، ويضرب بالمضرب والكستبان ، ويجعل التراب حنطة ، والأترجة قطة ، ويثقب خد رفيقه ، ويخرج الحبال من ريقه ، ثم ينزل من فمه المصران ، ويدر منه علي وجه رفيقه أنواع الألوان . ويقول شمعون : " خذ بالعيون لاينصرف القائمون ولا القاعدون " . وينبغي هنا أن نرصد ونسجل هذا الدور الهام الذي لعبه الأدب وشاركه فيه المسرح (مسرح خيال الظل) في العصور الوسطى في تسليط الأضواء الكاشفة علي المحتالين والمدعين واللصوص الكاذبين وكشف الغطاء عن خبايا كل هؤلاء . فلم يتأخر الأدب عن مواكبة العلم والعلماء الذين وضعوا قواعد العلوم التي تعني بكشف أسرار المحتالين وفضح كذب المدعين ، بالإضافة إلي تصنيف الكتب التي تبحث في تلك العلوم .

علـم تعلـق القلـب :-

هذا العلم يعتمد علي ولع الإنسان باستكناه الغيب وشغف الناس بمعرفة المجهول ، وحلم كل البشر بالهرب يوماً من نصب العمل ، وتعب الكدح ، والحصول علي كل ما يتمنونه ، وتحقيق كل مايحلمون به بالإستعانة بوسائل غيبية كمعرفة الإسم الأعظم لله سبحانه وتعالي أو بتسخير الجن . وهذه هي نقطة الضعف التي يواصل المحتال الطرق عليها حتى يحدث تغرة يتسلل منها إلي نيل مآربه من ضحيته الواهم . وقد زودنا " طاش كبري زادة " بتعريف لعلم تعلق القلـب : " وهـذا علـم ربما يظهره بعـض المتنبلين لمن في عقله خفة . حتى يظن أنه يعرف الإسم الأعظم ، أو أن الجن تطيعه ، وربما أداه إنفعالـه إلي مـرض ونحوه أو مطاوعـة ذلك المتنبل فيما قصده " . وقد نبهنا " طاش كبرى زادة " إلي ثلاث نقاط هامة في تعريفه لعلم تعلق القلب :

1.  يختار المحتال لضحيته التي سيلقي عليها شباك خداعه بعد أن قدم إدعاءاته طعماً من بين من يسهل التأثير عليهم لخفة في عقله . ويمكن أن نضيف إلي ذلك استغلال جهله . فالجاهل دائما أسهل إنقياداً وقبولاً لما يلقي إليه من الأوهام .

2.     أن انفعال الضحية ، وانشغاله واشتغاله بهذه الأمور الغيبية قد يؤدي به إلي المرض .

3.     قد يصبح الضحية عبداً طائعاً للمحتال ينفذ مقاصده ويحقق مآربه دون تفكير أو تردد .

وقد جسد لنا " ابن دانيال " شخصية أحد المحتالين الذين يستغلون تعلق قلب ضحيتهم بالأماني وتصديقه لما يظهرون من الأحوال العجيبة ، وجعله ينبئ عن نفسه ويشرح حقيقة حاله قائلاً :

وكم أمسيت في الجولان سطلا مع الفقرا أركض في خيـال

وأحسب أن بي طربا وحــالاً ومالي غير شردات الضلال

ثم يقدم لنا شخصية " عواد القرامطي " الذي يحتال علي أخذ أموال الناس عن طريق بيع أوراق خط فيها العزائم والحروز ، وما يدعيه من معرفة الأسماء والأوفاق ومنافع سور القرآن الكريم ، وهو يعلم تعلق قلوب العوام الذين طحنتهم الحياة وقهرهم الزمان بهذه المعارف المزعومة آملين أن يجدوا بسببها طريق الخلاص من هموم الحياة ومتاعب الزمان . فيقدم " عواد القرامطي " بضاعته إلي الناس مروجاً لها بمعسول كلامه : " وقال رسول صلي الله وعليه وسلم ومجد وكرم وعظم : " من تعلم علماً نافعاً وكتمه ألجمه الله بلجام من نار " ، فأعوذ بالله أن أكون من الأشرار والبخلاء الفجار ، فاأبخل بما آتاني الله من العلم المكنون والسر المصون لأنه تعالي أطلعني علي خواص الحروف ، وعلمني أوفاق المئين والألوف ، حتى جمعت في هذه الأوراق زبد العزايم والأسماء والأوفاق ، ومنافع سور القرأن العظيم العزيز ، وسطرت ذلك بالزعفران واللازورد والذهب الإبريز ... أول ما كتبت باليمين وعرق فيه الجبين ، هذا الإسم الأعظم ، وخاتم سليمان المعظم عليه السلام ، وكف مريم ، وأتبعته بالحصين ، وحرز أبي رجانة لآمير المؤمنين ... "

وهكذا بعد استعراضنا العلوم الأربعة والتي عنيت بكشف أسرار المحتالين وفضح كذب المدعين وهتك الأستار لتظهر للناس حقيقة اللصوص الماكرين الذين تفوقوا علي الشياطين في استلاب أموال الناس البسطاء الكادحين مستغلين جهلهم وسذاجتهم وتعلق قلوبهم بالأماني ، يمكننا القول أن العقل العربي كان سباقا إلي خوص هذا المجال والإبداع فيه من خلال تقعيد العلوم وكتابة الكتب التي تعني بتلك العلوم وشرحها للناس حتى يدفعوا عن أنفسهم حيل المحتالين ويحفظوا أموالهم من شراك المخادعين الجشعين . وبذا يكون قد قدم لنا صدق الكاذبين .

الحـواشـي :-

 

(1)  ربما كانت نسبة الإحتيال إلي الساسانين (أي الفرس أو الأعجام بصفة عامةٍ]) أحد مظاهر الحركة الشعوبية والصراع العنصري الذي قام بين العرب والأعجام ، وإن صح ماروي عن تفنن الأعجام في الإحتيال ، فلعله كان ردة الفعل تجاه إستئثار العنصر العربي بالسلطة والنظرة المتعالية إلي أفراد الأمم غير العربية التي دخلت في الإسلام والتي وصلت إلي حد إطلاق تسمية " الموالي " عليهم . والحق أن العرب هم الذين بدأوا هذا الصراع ، فقد إبتدأ علي المستوي القبلي حين أنكر المهاجرون علي الأنصار الحق في الحكم " يوم السقيفة " ، ثم تصاعـد الصـراع إلـي المستوي الشعوبي ، وأخذ سمة الضراوة . فاللسلطة والسلطان بريـق يزيـغ الأبصار وهديـر يصـم الآذان حتـى عن قول الرسول الكريم (ص) " لا فرق بين عربي وأعجمـي إلا بالتقـوي " .

 

(2)  ابن شهيد : أبو عامر أحمد بن مروان عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين بن عمر بن عيسي بن شهيد الأشجعي الأندلسي القرطبي . ولد سنه 382ﻫ / 992م ، ويرجع إلي بني أشجع بن ريث بن غطفان ، وهي قبيلة كبيرة وقد أقام في قرطبة ( فاكتسب النسبة بالإقامة ) وخاصة أثناء الفتنة التي إندلعت في الأندلس 399 ﻫ / 1008 م – 426ﻫ / 1034م يستقبل خليفة ويودع آخر حتى أصيب بالفالج سنة 425ﻫ / 1034م لانغماسه في حياة الترف وإدمانه مجالس الشراب " وله كتاب في الحيل والشعبـذة ، وكتـاب التوابـع والزوابـع ، وحانـوت عطـار . ( من تحقيـق د. عصام شبارو لكتـاب المختـار للجوبري ) .

 

 

(3)  من الملفت للنظر أن الحركة الشعوبية والصراع العنصري والذي دب في أوصال أمة الإسلام قد تمخض عن نزعة لدي بعض الشيوخ الفضلاء والعلماء الأجلاء إلي مداومة التهجم علي الأعاجم بكتبهم بهدف الحط من قدرهم ، والإنتقاص من شأنهم ، بل تصاعد الصراع إلي حد إتهامهم بإظهار الإسلام وإبطان فاسد العقيدة ونهاية الإقدام ، حتى الصوفية الأعاجم الزاهدون في الدنيا ولعبة السلطان لم يسلموا من إلصاق التهم بهم " فابن حزم " يحكي عن واحد من صوفية " نيسابور " :  " وبلغنا أن بنيسابور اليوم في عصرنا هذا رجل يكني أبا سعيد أبا الخير من الصوفية ، مرة يلبس الصوف ومرة يلبس الحرير المحرم علي الرجال ، ومرة يصلي في اليوم ألف ركعة ، ومرة لا يصلي فريضة ولا نافلة ، وهذا كفر محض ونعوذ بالله من الضلال " !! ، أما " الحسن بن محمد " صاحب كتاب " السوانح الأدبية في مدح القنبية ( الحشيشة ) " ، فينسب الوقوف علي عقار الحشيش – أي إكتشاف خواصه المخدرة ،  و وصوله إلي الفقراء ( المتصوفة ) وتعديه ( إنتشار تعاطيه ) إلي العوام عامة إلي الشيخ " حيدر الخراساني " !!! ، أما الذي أخبرنا بهذه المعلومـة فهـو الشيـخ " جعفر بن محمد الشيرازي " !!! ، فهو يقول : " سألـت الشيـخ "جعفـر بن محمـد الشيرازي الحيدري " ببلـدة تستر سنه ( 658ﻫ ) عن السبب ...." ، وينضم الشيخ تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي " صاحب كتاب " معيد النعم ومبيد النقم " إلي القافلة ، ومما يؤسف له أن الشيخ الوقور وقع في شرك التعميم و التهجم علي الأعجام دون بينة وهو يردد كلامه هجوماً صريحاً مستهدفاً للأعجام ، حين يذكر وصفا للصوفي في كتابه بأنه : " رجل يظهر الإسلام ، ويبطن فاسد العقيدة ونهاية الإقدام في رجله جرجم ، وعذبته من قدام ، يكون غالبا من بلاد الأعجام !!!!! .

 

(4)  وقد كان للتفاخر بالعصبية العربية ومداومة ذكر الأنساب والأحساب من جانب العنصر العربي أثره في نفس الشعراء والكتاب ، مما أضجر أبا نواس ( ولد حوالي 145ﻫ ) وجعله يلجأ إلي التندر بالعرب والحط من شأنهم علي الرغم أنه كان مولدا من أب عربي وأم أهوازية فنجده يقول في شعره :

عاج الشقي علـي رسـم يسائلـه                  وعجت أسأل عن خمارة البلد

يبكي علي طلل الماضين من أسد                   لادر درك قل لي من بنو أسـد

ومن تميم ومن قيـس ولفهمــا                    ليس الأعاريب عند الله من أحد

لقد عاني أبو نواس من التفاخر العربي بالأحساب والأنساب والقبائل والأفخاذ ما أوصله إلي حافة السأم ، وجعله يتمرد علي العروبة والعرب وإدلالهم بأنسابهم وتيههم بأحسابهم وإزرائهم بالأعجام وحطهم من قدرهم فانفجر غضبه محدثاً هذا الصدي :

وما شرفتنـي كنيـة عربيــة                    ولا أكسبتني لا ثناء ولا فخراً

 

(5)  المطالب : هي كنوز القدماء المدفونة في باطن الأرض ، وقد تخصص بعض الناس في البحث عن تلك الكنوز وطلبها ، لذا كان يطلق عليهم اسم المطالبية ، السيميا : هي سحر العيون أي إيهام الناظرين برؤية أشياء لا وجود لها في الحقيقة أو تصوير أشياء علي غير حقيقتها ، وهي السحر الذي مارسه سحرة فرعون أمام سيدنا موسي عليه السلام فحولوا عصيهم إلي ثعابين وحيات تسعي ، وغلبهم سيدنا موسى عليه السلام حين حول عصاته إلي حية كبيرة لقفت حياتهم .