أحنا ليه ساكتين..؟!!!

 مجرد طفل عادي، عادي جدا، شيطان صغير لم يتجاوز العاشرة بعد، (حُسّ) أو (سمسم)، وهل ستُغير الأسماء شيئا ذا بال، ككل أطفال هذا العالم يتجاوز عدد أصدقائه أصابع اليدين ببضعة أضعاف، أصدقاء من نفس العمر، والميول، أصدقاء من نفس الحي، وأصدقاء لا يظهرون أمام الغرباء ..!!، السؤال الآن ماهو الجديد ..؟؟، الواقع أنه لا جديد، فقط هناك عشرات الصفحات التي يدونها طفلنا عن كل ما يمر به، ربما لكي يستفيد بها عند الكبر، أو لمجرد التدوين، أو ربما لإسباب آخرى، لنتابع ونترك الحكم إلى النهاية.

  أحنا ليه ساكتين..؟!!!

هذه المرة سنتحدث عن مدى معرفة كل منا بنفسه وبقدراته.. فأحيانا لا يعلم المرء مقدار قوته الفعلية إلا بالتجربة، صحيح أنه وقتها يشبه إلى حد كبير زجاجة البيبس التي تم أنتزاع غطاءها بعد رجها فأنفجرت كالقنبلة وتساقطت معظم محتوياتها دون أستفادة حقيقية، لكنه يتعلم.. يُدرك.. والتجربة أساس العلم.

<><><><>
آخر أيام الإجازة الصيفية.. حيث شعور عارم طاغ أن الإجازة بدأت وتنتهى اليوم.

كل شىء مرغوب، لعب.. مزاح.. صخب الأطفال في هذا اليوم تمامًا كشخص وضعت أمامه قطعة كبيرة من حلوى الجاتوه، هو يعلم أنها لن تكون آخر قطعة في العالم.. ورغم هذا تراه ينقض كمدمرة حربية، فقط تحت شعار عصفور في اليد.

ولكنني أختلف عنهم.. أجلس أمام شاشة التلفاز وقد بدأت عدوى مشاهدة نشرة الأخبار تسري في دمائي.. بدأ الأمر بمتابعة أخبار الطقس، ومع الوقت أمتد نشاطي لمتابعة أخبار الرياضة ثم المال والأقتصاد، خاصة وقد نويت أن أصبح تاجر عملة في المستقبل..!!

الآن أنتظر وكأنني على موعد مع برنامج الأطفال الشهير (نص ساعة مع العيال)، أنتظر نشرة أخبار السادسة مساء.. أنتظر وللمرة الأولى أرى النشرة من بدايتها، الموسيقى المميزة والأسماء الصاعدة من أسفل الشاشة، ثم مُذيعا النشرة المتأنقين، مشاهد متتابعة تمثل العناوين الرئيسية لنشرة الأخبار.. مفاوضات، تصريحات، حرائق، فيضانات، رياضة، مال وأعمال، أحوال الطقس، وذلك المشهد.

ربما لم أستطع التحقق جيدًا من تفاصيله لكن ما قيل تعليقا على أحداثه كان كفيلا بأن يظل معلقا لا أرى سواه.

مشهد لطفل صغير وقد رُفع جسده الصغير على أعناق الرجال وسط جنازة مهيبة، جنازة تحمل شهداء واحدة من مذابح المحتل الصهيوني في أرضنا المحتلة.. فلسطين.

لم أكن أدرك وأنا بعد في العاشرة من عمري ما سر تلك القشعريرة التي أرتج لها جسدي حال رؤيتي لهذا المشهد الرهيب، وكأى طفل يحترم نفسه.. أتجهت من فوري إلى حيث والدتي، وقد أنهمكت تماما في معركة رغاوي ضارية مع صحون المطبخ.

أستئذنت بأدب جم بعد أن طرقت باب المطبخ، فألتفتت لي غير مستوعبة هذا السلوك الجديد على شخصي المتواضع:
• خير.. أيه الأدب اللي نزل عليك مرة واحدة ده ..!!
• كنت عايز أسئلك على حاجة يا ماما

بنفاذ صبر.. وقد بدأت معركة الرغاوي تسعى نحو النهاية:
• مش ممكن الحاجة دي تستنى لحد ماخلص اللي في أيدي
• طيب.. بس ماتتأخريش، عشان عايز أخرج العب حبة مع العيال أصحابي

عدت حيث مازالت نشرة الأخبار تدوى عناوينها كقذف المدافع في أذني.. حاولت أن أتابع كما بدأت ولكنني لم أستطع، من العسير للغاية أن تطلب الأنتظار من طفل لمعرفة شىء ما، إن الفضول هو نقطة الضعف الرهيبة التي يُستغل بها أى طفل في هذا العالم.

وهكذا مر الوقت ومشاهد النشرة تتابع أمام عيني دون أى تفاعل من جانبي.. حتى إنخفاض أسهم شركة المحمول التي نويت أستثمار مصروفي بها لم يهز بي شعرة، إلى أن دوى الصوت المحبب في أذني:
• ولد يا (سمسم).. أنت فين..؟

قافزا كالقرد.. مُتخطيا أثاث الردهة إلى حيث تقف والدتي الغالية أمام المطبخ تجفف يديها بعد أنتهاء المعركة:
• أنا هنا يا ماما.. خلصتِ الصحون...؟؟!
• أيوه يا سيدي.. عايز إيه بقى، عشان مش فاضية وعايزة أحضر العشا قبل بابا ما يرجع م الشغل

أتصنع الأهمية.. عاقدًا يدي أمام صدري كجنود الصاعقة:
• أصل أنا شفت في النشرة حاجة مش فاهمها.. ممكن تقوليلي معناها..؟
• حاجة إيه...!!!!!!!!!!!
تُمسك كفي الصغير.. تجذبني خلفها إلى حيث مازالت أصوات مذيعي النشرة تملئ فراغ الردهة، بينما أحاول ترتيب أفكاري لتوجيه السؤال الصحيح ومن أقرب نقطة ممكنة توفيرًا لوقت والدتي الثمين.. ووقتي الأثمن:
• إيه بقى اللي أنت مش فاهمه.. ؟
• من شوية شفت في النشرة طفل صغير الناس شايلينه وعمالين يعيطوا ويصرخوا بحاجات مفهمتش منها وله كلمة، وبعدين عمو المذيع قال كمان حاجة غريبة خالص.. (هذه واحدة من المذابح المتكررة للعدو الصهيوني الغاشم على أبناءنا.. أطفال الأقصى المحتل)، يعني إيه بقى مذبحة..؟، ومين هوه العدو الصهيوني ده.. ؟، والأطفال دول بيتكلموا عربي ذينا مش كده.. يبقوا أخواتنا صح، أبلة العلوم قالت كده السنة اللي فاتت، أى حد يتكلم عربي يبقى أخويا صح يا ماما صح..؟، طب لو صح أحنا ليه سيبنهم يموتوا من غير ما ندافع عنهم هاه ليه.. ليه ياماما..؟

لا ردود.. لم تسطتع والدتي أن تجيب على كم الأسئلة المنهمر، فقط كانت تبتسم وكأنها لا تصدق أن طفلها الصغير قادر على إستيعاب مثل هذه الأمور، أو إدراك المعنى الحقيقي لكلمات تختنق بها صدور الكبار وتتراكم فوقها هموم الحياة فتمنع عنها كل المخارج.

• إيه رأيك نستنى بابا على العشا، وهوه يفهمك اللي أنته عايزه

خدعة.. أعلم أنها خدعة وأقسم على ذلك، محاولة مكشوفة للتهرب من أسئلتي، ولكنني لا أملك الأعتراض، للإسف..!

• طب أنا هلعب مع أصحابي شوية، ماشي

لم أنتظر الرد وهرعت إلى باب المنزل.. حيث ينتظرني أعضاء الفريق..

(بسبس) منصة المراقبة المتحركة، و(طاحونة) رجل العمليات الخاصة، و(العشوائي) المسئول عن إذاعة البيانات العسكرية.. بدون ميكرفون.!

أنهمكنا في اللعب لبعض الوقت، والغريب أنني نسيت تماما موضوع المناقشة مع والدتي، فعدت للمنزل نحو العاشرة تناولت عشائي بصحبة والدى ووالدتي، دون أن يحاول أى منهما فتح موضوع النقاش، وكأنهم ماصدقوا أني نسيت.. بركة ياجامع..!

• " تصبحوا على خير بقى.. "
• " وأنت من أهله، أطفي النور ونام على طول، بلاش قراية المجلة أياها، فاهم.. "

مثل كل الأمهات.. نصائح وتحذيرات، ولكن كيف أنام دون توديع صديقتي الأقرب، (الساحرة المبتسمة) ليس هذا أسمها بالطبع، في الحقيقة هو عنوان قصة ملونة لطفلة في مثل عمري تقريبا، تعثر على كتاب سحري في أحد الأركان المهملة من منزلها فتتصفحه و.....، وفي النهاية تُصبح ساحرة.. ساحرة طيبة تبتسم على الدوام وتسعى بكل قوتها لتحقيق أمنيات الأطفال في هذا العالم.. كل الأطفال.

القيت نظرة عابرة على القصة، قرأتها عشرات المرات ولا أمل منها أبدا، ولكنني مُتعب مشوش الذهن ما أن تمددت على سريري حتى أسترخى جسدي و غبت عن هذا العالم.

<><><><>
أول أيام الدراسة.. بملابس نظيفة لن تبقى مع نهاية اليوم، وجسد لم يتعود الأستيقاظ المُبكر بعد، تدفعني والدتي دفعا نحو باب المنزل حيث ينتظر (بسبس) و(طاحونة) و(العشوائي) والنوم لم يفارقهم أيضا، تمهيدا للسير إلى مدرستنا القريبة

• " بشويش يا ولاد، بلاش لعب بعد الضهر، فاهمين.. "

نستند على أكتاف بعضنا البعض، نترنح في الطريق، وكالعادة نصل وطابور الصباح يوشك على النهاية.. الواحد كان مستريح، مش عارف ليه مايخلوش السنة كلها إجازة.

الحصة الأولى.. دراسات، أستاذ جديد بملامح هادئة.. طويل القامة، خط على السبورة بضع كلمات، عنوان الدرس على الأرجح، ثم التفت عاقدا ساعديه أمام صدره وأبتسامة ودود تعلو شفتيه:
• " أنا مدرس الدراسات لهذا العام، أسمي (حسام).. (حسام الدين).. سنتكلم اليوم عن الـ..."

(حسام الدين).!، فجأة أحتل ذهني مشهد كنت أظنه حُلما، حيث أقف على قمة عالية تكسوها الثلوج وأمامي في الهواء على مِكنسة لامعة تجلس (سلوى) الساحرة المبتسمة.

القمة عالية والثلوج ملساء وقدماي تعجز عن حملي، يختل توازني.. أترنح، أكاد أهوي
• " تماسك.. لاتسقط في فخ صنعه عقلك.."
• " ولكنني عاجز أشعر بالخوف والحيرة "
• " أعلم.. أنه الخوف من المجهول من أشياء لا تدري كنهها، ولكن أطمئن غدا يأتي من يقطع الشك باليقين.. "

حوار غريب لم أفهم منه شيئا، ولم أكن لإربط بينه وبين معلمي الجديد لولا تلك الكلمة (يقطع الشك باليقين)..، فكما أذكر أخبرتني معلمة اللغة العربية بمعانى بعض الأسماء.. (حسام) هو السيف.. السيف القاطع.!!

• " يعني إيه صهيونية يا أستاذ..؟ "

لم أرد إضاعة الوقت فبادرت بالسؤال على الفور، ليسود الصمت وتستدير كل الوجوه نحوي، فيتقدم مني الأستاذ (حسام الدين) مُبتسما.. هادئا، وينحني لتواجهني عيناه العميقتان:
• " وماالذي تُريد معرفته عن الصهيونية بالضبط..؟ "

وكأنني كنت أنتظر سؤاله، أعتدلت في مجلسي وأنطلق لساني يسرد تفاصيل يوم أمس، نشرة الأخبار وموقف والداي، وحتى الحُلم لم أنسى وصفه بكل دقة..
• " لا بأس أبدا.. يُسعدني إجابة كل ما يشغل بالك، لكن ليس الآن.. تعال إلى حجرة المعلمين وقت الفسحة أو في نهاية اليوم.. وكل من يريد الإستماع فليأت معك "

وأنتهى اليوم.. لاأعرف كيف ولا متى.. فقط وجدتني بصحبة رفاقي نطرق باب حجرة المُعلمين ننتظر الأذن بالدخول..
• " أهلا بالأبطال.. لماذا لم تأتوا أثناء الفسحة "

يتقدم (بسبس) بإعتباره أطولنا:
• " أصل يعني حضرتك، قولنا نستنى آخر اليوم عشان نسمع براحتنا ومايبقاش ورانا حصص "

يبتسم أستاذنا الهادئ، يدعونا للدخول.. فنجلس ورهبة المكان تُقيد السنتنا تماما، يسترخي في مجلسه ويبدأ الحديث:
• " أنا مُعجب بكم للغاية، إنها المرة الأولى التي أقابل بها أطفال بمثل سنكم يبحثون عن كهذه أجوبة "
• " يعني هتفهمنا يا أستاذ (حسام) "
• " طبعا، ولكن ماذا تريدون بالضبط..؟ "

تبدو الجدية على ملامح (طاحونة) يبتلع ريقه:
• " كل حاجة.. عايزين نعرف، ونفهم "

يلتفت الأستاذ (حسام) نحوي:
• " وماذا عنك، أليس لديك ماتقول، أم أنك تبحث عن أسئلة جديدة "
• " بصراحة.. أنا عايز أعرف في الأول، وبعدين أكيد هسأل تاني "

بشوش هو أستاذنا (حسام الدين)، مع كل كلمة أو أعتراض تجد الإبتسامة تعلو شفتيه ثم تنتقل إليك دون أن تشعر، عدوى لطيفة ليتني أمتلك مثلها:
• " لابأس.. أنتم متحمسون.. ولكن من أين نبدأ، هناك الكثير من الأمور التي يَصعُب على عقولكم إستيعابها "

نُجيب في لحظة واحدة ودون أى إتفاق مُسبق:
• " أحنا مُستعدين نسمع أى حاجة.. المهم نفهم "

يتنهد وتزداد أبتسامته أتساعا، ويبدأ في سرد الأهوال.. أحداث لم أكن أتصور حدوثها فإذا بها تاريخ، تاريخ قذر لحفنة شريرة من البشر.. أعتقدت ومازالت أنها صاحبة الحق في مساحة هائلة من الأراضي العربية، من المحيط إلى الخليج كما يزعمون، تزييف للحقائق وخداع لكل الإعراف والقوانين الدولية..

جرائم بشعة بكل ما تحمله الكلمة من معانى، لأول مرة أدركت ماهية المذبحة ومعنى أغتيال ومفهوم الشهيد، لأول مرة تسري إرتعاشة الخوف في قلبي الصغير.. أنتفض ويغمر جبهتي العرق البارد و...
• " أأنت على مايرام، تبدو مُتعبا "
• " أنا كويس، بس مش مصدق اللي بسمعه يا أستاذ، طيب هوه كل الكبار عارفين اللي حضرتك بتحكيه ده "
• " نعم.. كل الكبار في كل العالم على دراية بخطط اليهود القذرة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية وتصفية الشعب المسكين الأعزل من السلاح، لقد أصبحت القوة اليهودية في الغرب تحكم العالم دون عرش رسمي، وتحولت مع الضعف والتخاذل من جانبنا إلى آلة حصد.. آلة قاتلة لاتعرف الرحمة "

ومر الوقت.. كيف..؟، لاأعلم، فقط وجدنا الأستاذ يُلقي نظرة على ساعة يده وقد أشارت عقاربها إلى الثانية والنصف عصرا، مرت ساعة ونصف الساعة على إنتهاء اليوم الدراسي.. لابد وأن والدة كل منا تحفر الأرض بحثا عنه الآن
• " أعتقد أنكم تأخرتم، هلموا سأصحبكم بسيارتي "

لاداعي لإن أصف كم التوبيخ الذي تعرضت له عند عودتي إلى المنزل، والذي لابد وأن عانى المثل منه (بسبس) و (طاحونة) و(العشوائي)، يكفي أن تعلموا أن شيئا بسيطا خطر ببالي مع التعنيف والتوبيخ الذي تعرضت له من والدتي نتيجة تأخري في العودة.

لو أن هذه مشاعر أم تأخر طفلها لبضع دقائق ثم عاد إليها سالما، فما هو الحال مع أم خرج طفلها صباحا ولم يعد ولن يعود..؟، كيف هى مشاعر الأمهات هناك..؟، في فلسطين.

<><><><>
الثانية من بعد ظهر أحد أيام الجمع، القاهرة.. حيث الصخب والصراخ شئ روتيني لا يلفت الأنظار.

واحدة من المساكن ذات الإرتفاعات الشاهقة والمُطلة على أحد أكبر ميادين العاصمة.

شرفة بالطابق الخامس عشر من نفس البناية.. حيث يقف أربع صغار لم يتجاوز أكبرهم العاشرة من عمره.. يقفون على الإفريز الخارجي للشرفة..!

أسفل البناية مشهد لا يحدث إلا في أفلام السينما، عربات شرطة وإسعاف ومطافئ.. كاميرات تلفزيونية، ومئات المواطنين يتملكهم الفضول لمعرفة ما الذي يحدث بالضبط..

مجموعة من رجال الشرطة في المصعد الخاص بالبناية:
• " هى الحكاية ناقصة، هنلاقيها منين وله منين "
• " على رأيك يا باشا، العملية كانت عايزة عيال كمان "

بالإسفل حيث جموع المواطنين، تقترب كاميرات التلفزيون فيبدأ التهافت لمجرد الظهور:
• " تفتكر الأطفال دول عايزين إيه يا مواطن..؟ "
• " بصراحة يا باشا ومن واقع خبرتي التربوية، أصل أنا مدرس ثانوي آه والله، أعتقد أن الـ..."
• " وسع شوية من فضلك، بص ياباشا أنا أقولك، العيال دي لازم عاملين حاجة وخايفين آه، مهو الزمن ده زمن عجايب.. أعوذ بالله "

الوضع بالإعلى لا يختلف كثيرا، مجموعة الضباط وصلت الطابق المنشود، وهاهم وجها لوجه مع الأطفال الأربعة:
• " أسمع يا بابا منك له، أحنا مش فاضيين، يأما تقولوا عايزين إيه ياتخلصونا وترموا نفسيكوا "
• " بالهداوة ياباشا مش كده، بص ياحبيبي منك له، أحنا مسئولين كبار ورانا مصالح ومهمات ومش ناقصين لعب العيال ده، ممكن أعرف إيه الحكاية بالضبط "

يتنهد أحد الأطفال ورغما عنه تقفز الدموع غزيرة على وجنتيه، وبدأ يروي.. الغريب أن ما دفعهم إلى هذا التصرف ليس مشكلة شخصية ولا حتى عائلية، بل ويال العجب مشكلة دولية.. الأطفال الأربعة أرادوا التحدث إلى كبار العالم.. كل كبار العالم.

هناك مشكلة تجثم على صدورهم الصغيرة ظنوا بتصرفهم هذا أنهم سيجدون لها حلا.

ولساعة كاملة راح الصغار يشرحون للضباط مايعانيه أطفل الأرض المحتلة من قهر وقمع وتعذيب وحشي غير آدمي على الإطلاق، سردوا بدموعهم قضية مازال المجتمع الدولي عاجز عن مواجهتها بالشكل الأمثل.

• " بالذمة ده كلام، يعني أنتوا فاكرين أن اللي بتعملوه ده ممكن يخلي اليهود يسيبوا فلسطين "
• " لا ياعمو.. أحنا عايزين الكبار يسمعونا.. يحسوا بينا، يعرفوا أن أحنا شايفين أخوتنا بيموتوا ومش قادرين نساعدهم.. عايزين الكبار يتحركوا ويبطلوا يهتفوا "

ولم يكن هناك من رد.. من الصعب أن تجد ردا على سؤال طفل يُدرك ويتألم، بينما أنت لاتبالي..!

وبالأسفل.. بدأ رجال الشرطة في إعداد وسادة هوائية كبيرة الحجم، كإجراء وقائي لحماية الأطفال لو فشلت الجهود في إنقاذهم بإعلى..، في نفس الوقت الذي بلغت أنباء مطالب الأطفال لرجال التلفزيون وأشتعل الموقف أكثر:

• " أعزائي مُتابعي قناة (..) الإخبارية، نحن ننفرد.. الأطفال الراغبون في إلقاء أنفسهم من أعلى (الكاميرا تتحرك لتعرض مشهد الأطفال ثم تعود للمذيع المتأنق) يطالبون بجلاء المحتل عن الأراضي الفلسطينية "

تنطلق صيحات الدهشة من الأفواه، ومعها عشرات الآراء.. بين مؤيد ومستهجن، وغير مصدق:
• " مكنش حد غُلب "
• " وهى يعني إسرائيل هتسمع كلام العيال..؟ "
• " والله جدعان.. هما دول أمل المستقبل بصحيح "
• " أنما فين أهاليهم دول.. مش شايفين حد بيعيط يعني..؟ "

نعود إلى الموقف المُلتهب بالإعلى، وقد بدأ التعب يرسم خطوطا واضحة على ملامح الأطفال:
• " أسمع يا حبيبي منك له، باين عليكوا كبار وفاهمين.. عشان كده هنتكلم معاكو بصراحة "
• " بعد إذنك ياباشا، شوفوا ياولاد، مفيش في أيدينا حاجة نعملها، ومتهيألي كفاية أوي أن التلفزيون صوركوا.. وبكرة كمان تنزل الحكاية في الجرايد، وتبقوا برضه وصلتوا صوتكوا وله إيه..؟ "
• " أيوه ربنا يهديكوا.. مدوا أيديكوا بقى.."
• " هو ياعمو التلفزيون بيصور.. يعني مش شايف من هنـ........................

كان أكثر الأطفال تماسكا، يتحدث مديرا عيناه إلى أسفل، ومع الإستدارة المباغتة فقد توازنه وبدأ رحلة السقوط جاذبا رفاقه وقد تشابكت إيديهم من البداية.

ومع هول مشهد السقوط أنطلقت الصرخات وهتافات رجال الشرطة والإطفاء وعلا صوت المنبه بشكل سخيف ليقطع الـ............، مهلا.. هل قلت صوت المنبه..!

أنتفضت واقفا لأجد أنني مازلت بغرفتي.. على سريري.. والمنبه الصغير يرقص معلنا وقت الإستيقاظ والذهاب إلى المدرسة.

كل مامررت به ورأيته لم يكن سوى حلم، حلم أراد به عقلي أن يدُلني على شئ بالغ الأهمية، أنني لازالت طفلا رغم كل شئ.

طفل يحيا وسط عالم كبير تعود الصمت والنسيان

طفل صغير لا يمكنه تغيير الكون مهما بذل من جهد.

تمت بحمد الله